
على مدى أكثر من 24 عاما من حكمه لمناطق واسعة من الشرق الأوسط، وفر السلطان صلاح الدين الايوبي الكردي الرخاء والحرية الدينية والثقافية لاتباع الديانات كافة، خاصة الديانات الابراهيمية، وكان أقرب سلطان مسلم من المكونات الدينية والعرقية، فهل كان صلاح الدين حاملا للفكر الابراهيمي وأول مطبق له؟ شهدت العلاقات الكردية اليهودية، قفزة نوعية وتوطدت بشكل كبير، بعد سيطرة القائد الكردي صلاح الدين الأيوبي عام 1187 على اورشليم في معركة حطين وانتصاره فيها على جيوش الاوربيين بقيادة الملك ريتشارد قلب الاسد. أول ما أقدم عليه صلاح الدين بعد دخوله مدينة اورشليم وسيطرته على ما حولها، سمح للشعب اليهودي بالعودة الى ارضه التاريخية وأعاد لليهود جميع ممتلكاتهم التي صادرتها الجيوش الأوروبية من قبل، فالأوربيين الذين احتلوا اورشليم نفذوا أكبر حملات القمع ضد اليهود. ولم يتوقف صلاح الدين عند إعادة الحقوق لليهود، بل منحهم الحرية الكاملة لممارسة عبادتهم الدينية وأعمالهم التجارية. بعد دخوله الأراضي المقدسة منع صلاح الدين جيوشه من نهب البيوت واخذ الغنائم، وأطلق سراح أكثر من 800 مسيحي دون أن يدفعوا أي فدية لقاء سراحهم، وعاش الجميع في ظله وظل خلفائه بسلام حتى نهاية الدولة الايوبية. ولعل من أبرز قصص التحالف اليهودي الكردي، هي قصة الصداقة التي نشأت بين صلاح الدين وبين الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون، فهو الفيلسوف اليهودي المهم وأحد ابرز الإصلاحيين اليهود على مدى التاريخ، واشتهرت عنه مقولة في الأوساط اليهودية تقول: "بين موسى وموسى لم يقم مثل موسى"، أي أنه منذ النبي العظيم موسى لم يكن هناك شخصية جديرة بالاحترام والتقدير مثل موسى بن ميمون. ولد موسى بن ميمون في مدينة قرطبة عاصمة الاندلس "اسبانيا الحالية" عام 1135. وتحت حكم دولة المرابطين تمتّع اليهود بحرية ممارسة دينهم وطقوسهم اليهوديّة. وكان أبوه قاضياً في المحاكم الكنسية، لكنّ قرطبة سقطت في يد دولةٍ مسلمة أخرى، كانت أكثر تعصباً، هي دولة الموحدين، التي جاءت من المغرب وسيطرت الأندلس. وفرضت على اليهود إما اعتناق الإسلام أو مغادرة الأندلس، وهكذا غادرت أسرته إلى مدينة فاس المغربية عام 1159، وهناك درس بجامعة القرويين. تظاهرت عائلة موسى بن ميمون بالإسلام في فاس أيضاً، كغيرها من الأسر اليهودية، فقد كان محظوراً عليهم نفس الشيء، محظور عليهم أن يكونوا يهوداً. ويحكي ابن ميمون أنهم كانوا لا يصلون ولا يؤدون طقوس الإسلام كاملةً، لكن وجب عليهم التلفُّظ ببعض العبارات الإسلامية التي تدل على اعتناقهم الإسلام لا أكثر. لتحاشي غضب المتعصّبين في الدولة. وبعد حوالي 5 سنوات في المغرب، هاجرت عائلته مرة أخرى إلى الأراضي المقدسة "إسرائيل" عام 1165 ومنها إلى القاهرة التي استقرّ فيها منذ ذلك الحين وحتى وفاته عام 1204. عندما وصل إلى مصر أعلن ابن ميمون يهوديته. وقد طالب بعض المتطرفين من السلطات أن يقتلوه بتهمة "الردة عن الإسلام"، إلا أن القاضي الفاضل وزير السلطان صلاح الدين رفض ذلك قائلاً: "الرجل الذي أرغم على الإسلام ليس بمسلم، وبالتالي لا يمكن أن نعتبره مرتداً." ومن هنا بدأت رحلة الفيلسوف موسى بن ميمون في مصر مع السلطان صلاح الدين الأيوبي، رحلة صداقة استمرت حتى بعد وفاة صلاح الدين. في مصر، تفرّغ موسى بن ميمون للعلم، بينما كان أخوه الأصغر تاجراً، ومتكفلاً بإعالة العائلة مادياً. وفي عام 1170 غرقت سفينة أخيه المتجهة إلى الهند وتوفي أخاه، وقد أثّر هذا في موسى بن ميمون كثيراً. وبوفاة أخيه اضطر ابن ميمون للبحث عن مصدر آخر للعيش، فبدأ مزاولة الطب، رافضاً أن يتكسّب من عمله في تعليم التوراة والتعاليم اليهودية. وفي عام 1177 عيّن موسى بن ميمون رئيساً للطائفة اليهودية في مصر، وهو رغم ذلك لديه تجربة مثيرة، فهو لم يكن فقط فيلسوفاً وطبيباً يهودياً في الدولة الايوبية، بل كان طبيباً خاصاً للسلطان صلاح الدين الأيوبي، ومستشاراً سياسياً في بعض الأحيان. ظلّ ابن ميمون يعمل طبيباً ليعيل نفسه، لكنّه اشتهر جداً عندما أصبح طبيباً في البلاط السلطاني، عندما قرّر القاضي الفاضل وزير صلاح الدين أن يوفِّر له عملاً في دار السلطان، حيث أصبح طبيباً لصلاح الدين ولمن يرث العرش من بعده حتى وفاته. ظلّ موسى بن ميمون على مكانته تلك في قصر السلطان، حتى توفي عام 1204، أي بعد وفاة صلاح الدين بحوالي 11 عاماً.