
الحركة الإبراهيمية - العراق/ أبو موسى العراقي
إن أولياء الله عز وجل هم المؤمنون المتقون، وإن كل مؤمن هو وليٌّ لله، وإن الله يقدر إيمانه وتقواه من تطبيق أوامر الله وطاعته بغض النظر عن كونه مسلماً أو يهودياً أو مسيحياً.قال تعالى: ﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ( 63 ) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ﴾ [سورة يونس: الآيات 62-64].ويقول ابن كثير: يخبر الله تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، وكما فسره ربهم فكل مؤمن تقي ونقي لله كان ولياً. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب» رواه البخاري. وقال ابن حجر في قول الرسول: «من عادى لي ولياً»: المراد بولي الله وهو العالم بالله، المواظب على طاعته، المخلص في عبادته. وقال ابن تيمية: (يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم). وقال أبو هريرة: (ولي الله هو الذي يتبع شرع الله). وإن ثبوت كرامات الأولياء أمرٌ أجمع عليه العلماء وقياساً على معجزات الأنبياء في قصة مريم عليها السلام؛ قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ ﴾ [سورة آل عمران: الآية 37].وفي قصة سارة زوجة نبي الله إبراهيم الخليل أبي الأنبياء وأصل المثلث الإبراهيمي الحنيف؛قال تعالى: ﴿ وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (71) قالَتْ يا وَيْلَتى أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قالُو تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾ [سورة هود: الآيات 71-72].وإن خوارق العادات تشمل اليهودية والإسلام والمسيحية، وكل إبراهيمي صفا قلبه وتجلى عقله. وفي قصة سيدنا عمر بن الخطاب مع اليهودي صاحب الكرامات الذي كان يعرف ما وراء الجدار، عندما سأله عمر، قال له اليهودي صاحب الكرامات: (ما عُرِضَ عليَّ شيءٌ قط إلا عرضته على نفسي، فإن اشتهته أبيته، وإن أَبَته فعلته)، فقال له عمر بن الخطاب: (هذا الذي وصلت إليه من مقاومتك لنفسك).وكذلك الكرامات في قصة الحاخام اليهودي يعقوب بن مسعود أبو حصيرة الذي غرقت سفينته وبقي متمسكاً بالحصيرة وطاف عليها إلى أن وصل مصر.كما أن التصوف عند الحاخام نتنئيل فيومي في كتاب "بستان العقول"، حيث يرى أن معرفة الله الحقيقية لا تتم عن طريق العقل بل تحتاج إلى تزكية النفس وسلوك الطريق المستقيم، فهو قريب من المفهوم الإسلامي للتصوف؛ فهو لا يكتفي بالفلسفة العقلية بل يدمجها بالروحية، ويتحدث عن النفس بوصفها نوراً إلهياً، ويثأثر بالنور والفيض الإلهي ويقول إن: (النفس تطهر وتقترب من الله عبر التجرد من الشهوات).ويرى في الزهد والورع وسائل لتحقيق ذلك، وإن الغاية عنده هي الوصول إلى معرفة الله الحقة من خلال المعرفة الذوقية أو المعرفة الحضورية، ويوصف النفس بأنها جوهر نوراني، وفي قوله: (من لا يزكي نفسه لا يطهر قلبه). ويرى في العقل وسيلة للمعرفة لفهم الحقائق الإلهية، لكنه لا يستغني عن التجربة الروحية ويقول: (العقل مفتاح المعرفة ولكن القلب هو باب الحقيقة). ومن أشهر اليهود المتصوفة هم:1- الحاخام البعل شيم (بنيامين بن أليعازر): ويؤكد أهمية العبادة القلبية والاتصال المباشر مع الله.2- الحاخام ناحمان من برسلاف : وقد اشتهر بتعاليمه الروحية العميقة التي تجمع بين الحكمة والتصوف.3- الحاخام شلومو كارليباخ: وانجذب بشدة نحو الحسيدية، وتتركز على المحبة الإلهية والفرح والارتباط العاطفي بالله والتوبة والنية الصادقة والبحث عن الله.5- الحاخام يوسف إيشير: وهو صاحب كتاب "شومر إيمونيم"، ويتناول مفاهيم مثل وحدة الله والتدبير الإلهي والتجليات الروحية، ويعتبر مرجعاً لفهم القبالة.5- الحاخام شالوم شرعبي: وقد كرس حياته للعبادة والزهد والتأمل الصوفي مع التركيز على الصلاة كوسيلة للوصول إلى مستويات روحية عليا.إن الإبراهيمية تجمع بين الحكمة والحب الإلهي الأزلي والحقيقة الإلهية في الإنسان الصوفي وحقيقة الوعد الإلهي الإبراهيمي.إن اليهودية تجمع بين حب الرب وتوحيد الإله؛ حيث يشترك الإسلام واليهودية بالتصوف، وهو الدليل على أنهما ينبعان من خط واحد وصحيح. وتشير السير التاريخية للمشايخ الصوفية مثل القشيري (صاحب الرسالة القشيرية)أنه كان هناك حضور للإخوة اليهود في جلسات الصوفية المسلمين، وهو الارتقاء والاقتراب من ملكوت السماوات والأرض والإله، والعلاقة الاتحادية للوصول إلى القاعات الإلهية وتقديم الحلول، وهو هدف السالكين اليهود.ويعتبر التقشف الانضباطي والأخلاقي والصوم والتفاني والعبادة عند (الكبالا) وسائل لتحقيق التنور الروحي والرؤية المتعلقة بالعالم السماوي، فيوافق منهجهم مع علومه الروحية كسلسلة متدرجة مع علومهم الروحية والفيوضات المقدسة الربانية، والتي مصدرها واحد مع التصوف الإسلامي. وإن الدارس للديانة اليهودية يجد التقوى عبارة عن ممارسات وتطبيقات تبلورت في أعمال مجموعة من المفكرين اليهود مثل:(سبينوزا وفرويد وجون دريدا). ويأخذ التصوف الإسلامي مصدره من القرآن والسنة النبوية، وهو يمثل البعد الروحي للإسلام المعتدل، وهو يبحث عن الإحسان ونقطة التوافق والارتقاء والعمق الوجودي، وهي طرق أكثر تناسباً مع تجربة الإنسان الفكرية والروحية. وإن القبالة ورمزيتها للفيلسوف والمؤرخ جرشوم وعلاقته بالتوراة والسلطة الدينية الروحية، ويرى أن الوحي المعبر عن مضامين الدين الأساسية هو الأعظم وهو الأعلى منزلة، مثل الوحي إلى موسى عليه السلام والأنبياء وروح القدس الذي تحدث في مؤلفي (المزامير) وأجزاء أخرى من الكتاب المقدس، والصوت السماوي الذي يعتقد أنه كان مسموعاً في العصر التلمودي، ويذكر أن الصوفيين لا يزالون قادرين على صنع مكان لتجربتهم داخل الإطار التقليدي ووحي النبي (إيليا).
ويقول الحلاج في كتابه (حب الرب): «فإن التصوف هو الصلة الدائمة واليقظة الحية في الكيان الروحي وإيقاظ عين القلب لتفتح بكل طاقتها التي أودعها الله لتكون معبرة في عالم المشاهدة فترى الله في كل شيء». وإن الصوفي في تجربته الكبرى مسافر في ملكوت السماوات والأرض، ويصل إلى المقامات الروحية ببعضها، من مقام التوبة إلى مقام الفناء.وإن الحب في منطق الصوفية هو أسمى العبادات وأزكاها، وهو معراج المعرفة. ويقول الشيخ جلال الدين الرومي: (الحب هو الكحل الذي تكتحل به عين القلب فينجلي بصرها). وعن الشيخ أبي حامد الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال)؛ حيث اتفق مع الصوفية في مقامات التوبة والورع والزهد والفقر والمرض. وفي نظرية الإشراق للسهروردي في ظهور الأنوار الإلهية في الإنسان الصوفي العارف. وفي كتاب (دلالة الحائرين لموسى بن ميمون)، وقد عبر في كتابه عن إعجابه بشكل صريح بالصوفية وقال عنهم إنهم: (الورثة الحقيقيون للتقاليد العبرانية)، كما نسب بعض شعائر الصوفية إلى أنبياء بني إسرائيل. وهناك ممارسات لدى الصوفية مثل التأمل الفردي والخلوة وإقامة الذكر، والتي نسبها إلى العهد القديم من الكتاب المقدس. ويقول ابن خلدون في الصوفية بأنها: التفاني في عبادة الله والزهد في الثروة والمظاهر والانعزال عن الآخرين لعبادة الله.وإن الأزهر في مصر يؤيد التصوف وامتد إلى نشر حلقات الصوفية عبر مدارس أُنشئت لتعليم أصول الفقه الصوفي.وتأسيساً على ذلك، فإن الإسلام الصوفي واليهودية الصوفية إضافة إلى أنهما من الديانات الإبراهيمية وإن نبيهما واحد هو إبراهيم خليل الرحمن ومن رحم ونسب واحد إبراهيم وذريته إسحاق وإسماعيل،فإن المشتركات في الديانتين السماويتين تصدر من خط مضيء واحد أحد هو ملكوت السماوات والأرض، الإله تبارك اسمه وتعظمت صفاته في النور والوجود والأخلاق، المتفرد في العبودية، لا يحده زمان ولا يسعه مكان.التصوف الإبراهيمي واحد الجذور والمشتركات الإسلامية واليهودية.