توم وايغنر الجسر الذي لا يحبه المتطرفون

‏مقتطف من مقال بقلم: محمد اكن

‏ليس من السهل أن تكتب عن رجلٍ قرّر أن يعيش فكره لا أن يروّجه، وأن يدفع ثمن السؤال بدل أن يحتمي بإجابات جاهزة. توم وايغنر واحد من هؤلاء القلّة الذين اختاروا أن يكونوا في المنطقة الرمادية الخطِرة، حيث لا تصفيق جماهيري ولا حماية أيديولوجية، بل مسؤولية ثقيلة اسمها: الضمير. ومن هذا الموقع تحديدًا، أكتب عنه اليوم مقالًا تكريميًا، لا لأنني كتبت مقدمة كتابه الثورة الإبراهيمية فحسب، بل لأنني رأيت فيه نموذجًا نادرًا لمفكر قرّر أن يكون جسرًا، رغم علمه المسبق بأن الجسور أول ما يُستهدف في زمن التطرف. ‏وُلد توم وايغنر في قلب المجتمع الإسرائيلي، ونشأ داخل منظومة سياسية وأمنية تُعلّم أبناءها باكرًا لغة الشك والخوف. لكنه، وعلى عكس كثيرين، لم يسمح للبيئة أن تصادر إنسانيته. درس، واشتغل في الاستشارة الاستراتيجية، واطّلع عن قرب على آليات صنع القرار، لكنه كلما اقترب من مراكز القوة، ازداد اقتناعًا بأن القوة وحدها لا تصنع مستقبلًا، وأن الأمن الذي لا يرافقه معنى أخلاقي، يتحول مع الوقت إلى عبء على أصحابه قبل خصومهم.‏حياته الفكرية ليست منفصلة عن سيرته الإنسانية. فوايغنر لم يكتب عن السلام من خارج التجربة، بل من داخلها، من قلب مجتمع يعيش التوتر الوجودي يوميًا، ومن مدينة مثل تل أبيب، التي تبدو للعالم مدينة حياة وحداثة، لكنها تخفي تحت صخبها قلقًا عميقًا وأسئلة مؤجلة. من هناك، من هذا القلب المتناقض، خرج صوته لا كصرخة غضب، بل كنداء عقل.‏اختار وايغنر أن يحاور حيث يفضّل الآخرون القطيعة. أجرى حوارات طويلة ومعقّدة مع سياسيين، ومفكرين، وأئمة، ورجال دين، ومثقفين من العالم العربي والإسلامي، في العلن حينًا، وفي السرّ حينًا آخر، لأن بعض الأسئلة لا تُطرح تحت الأضواء. كانت حواراته في كثير من الأحيان محفوفة بالمخاطر، لا بسبب الطرف الآخر، بل بسبب محيطه القريب، حيث يُنظر إلى الحوار مع “العدو” باعتباره خيانة، لا شجاعة.‏ومع ذلك، لم يتراجع. أسّس «مركز الشرق الأوسط» في إسرائيل، لا كمؤسسة علاقات عامة، بل كمساحة فعلية للقاء الإنساني، حيث تُسمع الروايات المختلفة دون أن تُلغى، وحيث يُسمح للألم أن يُقال، لا أن يُستثمر. في هذه الحوارات، لم يكن وايغنر يسعى إلى تبييض صورة أحد، بل إلى تفكيك الصور الجاهزة التي صنعتها سنوات الصراع الطويل.‏في كتابه الثورة الإبراهيمية، تتكثف خلاصة هذه الحياة الحوارية. الكتاب ليس بيانًا سياسيًا، بل وثيقة فكرية كُتبت في زمن الانكسار الكبير، بعد حرب 7 أكتوبر 2023، حين كان من الأسهل الصراخ، لا التفكير. ‏اختار وايغنر أن ينصت وسط الضجيج، وأن يبحث عن المشترك الإبراهيمي بوصفه أرضية أخلاقية، لا شعارًا دينيًا. وقد لمستُ ذلك بعمق وأنا أكتب مقدمة الكتاب، حيث بدا لي واضحًا أن الرجل لا يطلب تصفيقًا عربيًا، ولا شرعية إسلامية، بل يطلب فقط فرصة صادقة لفتح نقاش مؤلم لكنه ضروري.‏لكن إذا كان الثورة الإبراهيمية محاولة عقلانية لإعادة بناء فكرة السلام، فإن كتابه الآخر اتحاد المؤمنين هو النص الأكثر عاطفية وجرأة في مسيرته. هذا الكتاب، الذي ألّفه بتعاون  مع المفكر الفلسطيني إلياس ن. ج. بابون، ليس مجرد عمل مشترك، بل حدث رمزي بحد ذاته. إنه صرخة روحية خارجة من تل أبيب نحو العالم العربي، تقول إن الإيمان، حين يُنقّى من الخوف، يمكن أن يصبح لغة مشتركة بدل أن يكون خندقًا.