
بقلم: أ.جوزيف كيريو | خبير اقتصادي وكاتب/ سيريا بريس
يقف العالم اليوم على مفترق طرق، في ظل صراعات مستعرة، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط. فمن سوريا إلى اليمن، يستمر سفك الدماء، بينما يهدد التطرف بتقويض فرص السلام والاستقرار. ومع ذلك، وفي قلب هذا المشهد المضطرب، تبرز الحركة الإبراهيمية، ولا سيما فرعها في سوريا، بوصفها شعلة أمل حقيقية. فهذه الحركة، المستندة إلى القيم المشتركة بين اليهودية والمسيحية والإسلام، تمثل شرارة أخلاقية قادرة على تجاوز الحدود والانقسامات.في سوريا، بدأت الحركة الإبراهيمية ببناء الجسور بدلاً من الجدران، من خلال جمع أشخاص لم يكونوا يرون في الماضي سوى الاختلافات التي تفصل بينهم. ومن خلال ترسيخ مفهوم الإنسانية المشتركة، يمكن لهذا الجهد أن يشكل أساساً لشرق أوسط أكثر سلاماً واستقراراً؛ منطقة تستطيع، على غرار الاتحاد الأوروبي، أن تتطلع إلى مستقبل يقوم على التعايش والتعاون بين شعوبها. فلنتخيل مستقبلاً تزدهر فيه سوريا والدول المجاورة معاً، لا كخصوم، بل كشركاء في التنمية والتقدم.وتُعد الحركة الإبراهيمية مبادرة عالمية تهدف إلى تعزيز الحوار والتفاهم والتعاون بين أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام. وقد نشأت على المستوى الدولي انطلاقاً من الرغبة في رأب الصدع بين المجتمعات الدينية، وإيجاد منصة تُعلي من شأن القيم الإنسانية المشتركة، مثل العدالة والرحمة والمساواة.أما في سوريا، فتكتسب هذه الحركة أهمية استثنائية، لأنها تجسد محلياً أملاً عالمياً. فمن خلال جمع السوريين من مختلف الانتماءات الدينية، تقدم نموذجاً عملياً يبرهن على أن التعددية والاحترام المتبادل يمكن أن يزدهرا حتى في أصعب الظروف. ومن هذا المنطلق، لا تمثل الحركة الإبراهيمية في سوريا مبادرة محلية فحسب، بل تُعد جزءاً من موجة عالمية أوسع للمصالحة، تؤكد أن السلام، إذا ما تمت رعايته وتعزيزه، قادر على أن يمتد أثره إلى ما وراء الحدود.وتنسجم هذه الرؤية مع النظرية الأشمل التي أطرحها في كتابي «الطريق الرابع»، والذي يقدم تصوراً لنظام اقتصادي إنساني يهدف إلى الإسهام في إنقاذ العالم. وبينما يركز الكتاب على بناء منظومة اقتصادية أكثر عدلاً واستدامة، تضيف الحركة الإبراهيمية البعد الأخلاقي الذي لا غنى عنه. فهي تؤكد أن الاقتصاد لا يمكن أن يزدهر في غياب السلام الداخلي والقيم الإنسانية. وعندما نركز على الإصلاح الأخلاقي إلى جانب الإصلاح الاقتصادي، فإننا نمنح الشرق الأوسط، بل والعالم بأسره، فرصة حقيقية للدخول في عصر جديد من التعايش والاستقرار.ومع نمو هذه الحركة واتساع تأثيرها، يمكن أن تسهم أيضاً في الحد من ضغوط الهجرة. فاليوم يضطر الملايين إلى مغادرة أوطانهم هرباً من الحروب وانعدام الأمن بحثاً عن حياة كريمة. لكن عندما يعود السلام، وتُصان الكرامة الإنسانية، وينهض الشرق الأوسط جنباً إلى جنب مع بقية العالم، لن يكون الناس مضطرين إلى مغادرة أوطانهم. بل سيتنقلون بحرية كشركاء متساوين، يتبادلون الثقافات والخبرات، ويتعلمون من بعضهم البعض، ويسهمون معاً في بناء مستقبل أكثر إشراقاً.إن الحركة الإبراهيمية، انطلاقاً من سوريا، يمكن أن تكون تلك الشرارة التي يحتاجها العالم اليوم. فهي تذكرنا بأن السلام ليس حلماً مستحيلاً، بل خياراً يمكن للبشرية أن تتبناه بإرادة صادقة، وأن هذه الثورة الأخلاقية قادرة على تجاوز الحدود، ونشر الأمل، وترسيخ ثقافة التعايش بين الشعوب.