لماذا يخشى النظام الإيراني من اتفاقيات إبراهيم؟

لا تعد "اتفاقيات السلام الإبراهيمي" تحولا جيوسياسي عابراً،  بل شكلت تغيرا جذريا في سياسات الشرق الأوسط، تمخض عنها نمط جديد من الدبلوماسية، يركز على المصالح المشتركة والتعاون الإقليمي بدلاً من الصراعات التاريخية المستمرة. وعلى الرغم من أن الغالبية تنظر اليها فرصة لترسيخ الاستقرار والتنمية في منطقة تستعر فيها أنواع مختلفة من الصراعات، الا أن نظام ولي الفقيه الإيراني وأذرعه وحلفائه يقفون منذ اللحظة الأولى معارضين لهذه الاتفاقيات. لكن لماذا تخشى إيران من هذه الاتفاقيات التي تجلب السلام والرفاهية للمنطقة؟

 التوتر الخارجي أساس البقاء

منذ اللحظة الأولى لاستيلاء نظام ولي الفقيه بقيادة الخميني على الحكم في ايران عام 1979، بدأ بتنفيذ مخططه المتمثل بإثارة أكبر عدد من المشاكل في المنطقة ونشر الإرهاب العابر للحدود واشغال شعوب المنطقة بالصراعات الدينية والفئوية، كي تبقى سفينتها سليمة وسط بحر متلاطم الأمواج، وعلى هذا الأساس أسس الخميني الحرس الثوري الإيراني كقوة رديفة للجيش الإيراني تنفذ مهمتين، الداخلية هي قمع الأصوات المعارضة والخارجية مهامها تصدير المشاكل الى المنطقة واشعال فتيل الصراعات الطائفية، وبعد ذلك تصدير الفكر الخميني لتوسيع السيطرة الإيرانية على الشرق بالكامل، ومن ثم الامتداد باتجاه افريقيا وأوروبا، ولهذا يخشى هذا النظام من السلام دائما ويعتمد على التوتر الخارجي كوسيلة أساسية للبقاء. فالصراعات والأزمات تمنحه الغطاء لقمع المعارضة، وفرض إجراءات أمنية مشددة، وتأجيل معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.

 الخوف من إسرائيل

يخشى نظام الولي الفقيه من دولة إسرائيل ومن توطيد علاقاتها ودمجها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً مع محيطها العربي والإسلامي ومع الديانات الابراهيمية الأخرى والشعوب الشرقية الاصيلة، لأن إسرائيل هي قلب العالم والشرق الأوسط ولديها تاريخ وحضارة وعادات وتقاليد مشتركة مع شعوب المنطقة الأخرى، فإسرائيل قوية ومتطورة وحرة على كافة الأصعدة، تضعف من قدرات النظام الإيراني وتفضح دورها المغرض في المنطقة ودورها القمعي ضد الشعوب في ايران، وبالتالي ستزداد عزلة النظام المتطرف في طهران إقليميا ودوليا ويفقدها أوراق ضغط دبلوماسية هامة. 

الهاجس الأمني من اسرائيل

  لم يخف نظام الخميني نواياه التوسعية في المنطقة على مدى أكثر من 47 عاما، ولطالما يطلق قادته شعارات بإحياء السيطرة الصفوية والفارسية على المنطقة واعتبار دول المنطقة ارثا للفرس وللصفويين ويجب أن تعيد ايران سيطرتها على المنطقة، وباشرت ايران سياستها التوسعية الجديدة عام 1979 من محيطها العربي، وبدأت بمحاولات غزو الخليج العربي سياسيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، وعلى الرغم من أنها لم تتمكن حتى الآن من بسط سيطرتها على الخليج بالشكل الكامل لكنها تمكنت من التغلغل، لذلك أي تقارب إسرائيلي خليجي تعتبره طهران تهديدا لها ولنفوذها في المنطقة، وتخشى من  أن يتيح التعاون الأمني لإسرائيل موطئ قدم أو نفوذاً استخباراتياً وعسكرياً بالقرب من حدودها ومياه الخليج العربي.

  اقتلاع جذور الاذرع الإيرانية

مع توقيع اتفاقيات السلام الابراهيمي، بدأت الاذرع الإيرانية في المنطقة تنكمش، فشعوب المنطقة اكتشفت حقيقة هذه الاذرع والدور الإيراني السلبي في المنطقة وما خلفه التواجد الإيراني من دمار في الدول الخاضعة لسيطرة ايران وحلفائها، فالعراق ولبنان كانتا تشهدان حراكا شعبيا مناهضا للدور الإيراني والمليشيات الإيرانية، ومنها تنظيم حزب الله الإرهابي وتورط الإيرانيين في صفقات الفساد الكبيرة، حيث ماتزال هاتين الدولتين عراق ولبنان تعانيان منها حتى اليوم، كما كان السوريون يقتربون من انهاء نظام الأسد حليف طهران، وهذا زاد من مخاوف ايران من أن دورها سينتهي في المنطقة، بعد أن اكتشفت غالبية شعوب المنطقة أن إسرائيل تمثل السلام والمنقذ الذي تنتظره هذه الشعوب للخلاص من الإرهاب الإيراني ومن اليأس والأزمات التي تعصف بها، وكشفت هذه الشعوب أن خدعت طيلة العقود الماضية بكذبة، كانت الأنظمة الدكتاتورية والحليفة لإيران تروج لها، وهي صناعة صورة إسرائيل العدو، واتضح لها أن إسرائيل هي الصديقة للكل وليست دخيلة على المنطقة، بل هو شعب اصيل تمتد جذوره الى أعماق التاريخ. 

تخوف إيراني من تحالف دفاعي مضاد  تقلق إيران من تطور هذه اتفاقيات السلام الابراهيمي إلى تحالف أمني أو "ناتو إقليمي" مدعوم من الولايات المتحدة، يكون موجهاً بشكل مباشر لمواجهة برنامجها النووي والصاروخي ونفوذها الإقليمي. وتظهر أسباب العداء الإيراني للسلام بشكل عام وللسلام الابراهيمي أن  اتفاقيات السلام الإبراهيمي تمثل رؤية بديلة للشرق الأوسط، تقوم على الشراكة والازدهار الاقتصادي كأدوات لتحقيق الأمن المستدام. وفي المقابل، تعكس المعارضة الإيرانية الشرسة لهذه الاتفاقيات صراعاً أعمق بين مشروعين في المنطقة: مشروع يسعى لبناء المستقبل عبر شبكات التعاون المشترك ويتمثل بإسرائيل وحلفائها الإبراهيميين وشعوب المنطقة، ومشروع آخر يتمسك بأدبيات الصراع الإقليمي للحفاظ على نفوذه ومكاسبه الجيوسياسية وهو مشروع ولاية الفقيه الإيراني. ولهذا حركت ايران اذرعها في المنطقة، وقدمت الدعم لحركة حماس والتنظيمات الإرهابية الفلسطينية لتنفيذ عملية إبادة جماعية ضد الإسرائيليين في 7 أكتوبر 2023، ومن ثم حركت تنظيم حزب الله الإرهابي لمهاجمة إسرائيل من لبنان، واشعلت بإرهابها العابر للحدود نار الحرب المتواصلة منذ ذلك التاريخ  في المنطقة كي توقف عجلة السلام الابراهيمي في المنطقة، لكنها فشلت فشلا ذريعا في جميع خططها حتى الآن واصبح اتفاقيات السلامي الابراهيمي تقترب من اقتلاع النظام المتطرف في ايران الذي يقف حجر عثرة امام تدف السلام والاستقرار في المنطقة.